تفاصيل العمل
حدثني جوجل بن ترجمان قال:
لقد سئمت من حديث معظم المترجمين، الذين اتخذوني مادة للتندر في كل وقت وحين، ولم يكونوا في طرحهم مقسطين بل كانوا للأسف قاسطين، إذ كان دأبهم تصيد الأخطاء والاستخفاف، ومنشوراتهم تدعو إلى السخرية والاستظراف، وتناسوا ما عاناه السابقون من سنين عجاف، فقد ذهبت أعمارهم في البحث بين دفات القواميس وأوراق الصحاف، في شتى التخصصات والأطياف.
وعلى الرغم أنني دائما صديقهم وقت الضيق، ومنقذهم من ضغط الديدلاين والخوازيق، إذ يلقون إليّ ملفاتهم مرة واحدة دون تجزئة أو تفريق، ويقولون إياك والأخطاء فما نريد إلا الجودة والتدقيق، ويظلون طوال الليل ينسخون ويلصقون، ويظنون أنهم بذلك مترجمون، ثم في الصباح يبحثون، على أي منشور فكاهي لعلهم يَضحكون ويُضحكون.
وكما قال الشاعر:
قل للـذي لسـت أدري مِن تلـوّنِه
أمستهزئٌ أم على غِـشٍّ تداجيني
إنِّي لأعجب من صنيعك أيما عجبٍ
يدٌ تنسخ نصّي وأخرى بالذم ترميني
تغتابني نهارًا وعند الليل تقصدني
فهلا كففتَ لسانَك عن ذمِّي وتخويني
أيها المترجمون لا تلومني ولوموا أنفسكم، فأنا صنيعتكم فإن أحسنتم أحسنت، وإن أسأتم أسأت، وما أنا بقاطع أرزقاكم، ولا بمستحوذ على وظائفكم، إنما أنا أداة مساعدة آلية، تستخدم أنظمة ذكاء اصطناعية، وبرمجة من الشبكات العصبية، ومنظومة من وسائل البحث والتعلم الذاتية، وما أملكه إنما هي بضاعتكم أخزنها لكم، وأردها عليكم وقت احتياجكم.
ولا ريب أنني أدين بالفضل لمن عمل على إقالة عثراتي، وتوسيع قواعد بياناتي، وتحسين ذاكراتي ومدخلاتي، وإن اتهمتموني بسرقة مجهود الآخرين، وقلتم ألم نغذيك فينا صغيرا وعلمناك الصنعة لبضع سنين، فكيف الآن تسرق مجهود غيرك، وتنسب الفضل لنفسك، فأقول لكم ما أنا إلا لص شريف أمين، أحفظ في ذاكرتي وجعبتي حصاد المترجمين، وأرد ما أخذته من الآخرين، بل أزيده من التطوير والتجويد والتحسين.
ولكن لابد أن تعترفوا لي بالمقابل ببعض الفضل، فأنا سريع التعلم، وفائق التقدم، وحاذق في التأقلم، وسأظل مدينا لكم بهذا الفضل أنا ومن بعدي من أبنائي الجواجلة، الذين أعدّهم ليكونوا في المستقبل مترجمين جحافلة، وحينها يكون لكل حادثة حديث، والله وحده هو المستعان والمغيث.
ويحكم أيها البشر! عندما تلتمسون العذر لأحد، ولو كانت مثل جبل أُحد، تقولون مقولتكم الشهيرة: له ما له وعليه ما عليه، وأنا أترجم لكم أسماء البلاد والأعلام، والأفلاك والأجرام، والأمراض والأسقام، وأزيل عنكم الغموض والإبهام، وأوضح المفاهيم وأزيد درجة الإفهام، إن شئتم فتعاملوا معي كطبيب عام، أما التخصص الدقيق فله أهل عِظام، فدعوكم من إساءة الظنون، والبعد عن المضمون، واسألوا أهل العلم إن كنتم لا تعلمون، ولا تحاسبوني كبشر وكأنني آكل مما تأكلون منه وأشرب مما تشربون.
وأخيرا فليعلم الجميع وأكرر أنني مجرد أداة، تحتاج منكم المراجعة والأناة، وليس كل من استخدمني أصبح مترجما، كما أن ليس من أمسك مشرطا أصبح طبيبا، فأنا مثل السكين أنفع عند حسن الاستخدام، ولكن ربما أقتل أو أقطع الإبهام.
وأنصحكم بألا تنساقوا خلف طريقتي وأسلوبي، مثل الطفل تعاملوا معه بلغتكم ومرادفاتكم وليس بطريقة كلامه، وخذوا عنه مصطلحاتكم حتى ينضج ويتعلم منكم، وتأكدوا أن هناك مجالات ستبقى حكرا على البشر، مثل الترجمة الأدبية والإبداعية، وما يلزمها من مصاحبات لفظية، ولوحات فنية، وأساليب جزلة قوية.
ومن يدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا إن كان في العمر بقية.