تفاصيل العمل
منذ أن سرقت العصابات الصهيونية أرض فلسطين، وطردت أهلها منها، وحولتهم إلى لاجئين مشردين ومحرومين من خيرات حقولهم، وأنشأت لها وطناً يأويها على حساب أهل الأرض الحقيقيين، مارست ولا تزال شتى أشكال الجرائم بحق الفلسطيني على اختلاف مكان تواجده، وكلما رسم الفلسطيني صورةً زاهيةً لحلمه في العودة وانتزاع أرضه ووطنه، لاحقته برصاصها وجرائمها، في محاولةٍ منها لإنهاء وجوده ومجرد تفكيره بوطن سكنه الآباء وحفر الأجداد صخره ليزرعوا الزيتون والزعتر.
في كل مواجهةٍ للاحتلال الصهيوني أو اعتداء على أهالي فلسطين الحقيقيين يحرص على إحداثِ صدمةٍ في صفوفهم؛ بهدف إجبارهم على التراجع عن حقوقهم، غير أن تلك الجرائم التي يرتكبها بحق مختلف شرائح الشعب الفلسطيني المحصنة “افتراضاً” بكل القوانين والمواثيق الدولية المُدافعة عن حقوق الإنسان، تتكرر باستمرار، والواضح بأن تعمد اقتراف تلك الجرائم وبأشكالٍ أشدُ عُنفاً إنما هو نابعٌ أساساً من حالة الاطمئنان التي يعيشها قادة الاحتلال، والتي توفرها الأطراف الدولية ومؤسسات محاسبة المجرمين مع استمرار توفير المساحات التي يُفلت منها قادة الاحتلال من العقاب وتطبيق تلك القوانين الحامية للبشر من البطش والقتل.
منذ اندلاع مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار على حدود قطاع غزة في الثلاثين من مارس2018م الماضي، ومشاركة عشراتُ آلاف المواطنين السلميين فيها، للمطالبة بحقوهم في استعادة أرضهم وبلادهم التي سرقها الاحتلال الصهيوني منذ أكثر من سبعة عقود، كانت جنود الاحتلال في استقبال المتظاهرين السلميين بالرصاص والغاز بمختلف أنواعه وأشكاله، فقتلت منهم وأصابت على مدار أيام التظاهرات- التي لا تزال متواصلة حتى كتابة هذه الكلمات- الآلاف.
تسابق عشراتُ الأطباء والمسعفين صفوف المتظاهرين المدنيين، أملاً في تضميد جراحهم أو إنعاش حياتهم بعد إصاباتهم برصاص قوات الاحتلال الصهيوني المتفجر أو قنابله الغازية السامة، تقدموا ولديهم اليقين بأن “الروب الأبيض” و “شارة الهلال” التي تُرسم على عرباتهم بشكلٍ كبير ستكون حاميةً لهم من جرائم الاحتلال، بناء على المواثيق الدولية وبينها اتفاقية جنيف التي تضمُ بين صفحاتها 64 مادة، وتضم فصولاً تؤكد على حماية الجرحى والمرضى وموظفي الصحة والوحدات الطبية ووسائل النقل الطبي. وفي زحمة الأحداث كان واضحاً بالاستهداف المتعمد من قبل قوات الاحتلال للطواقم الطبية الفلسطينية العاملة في الميدان، فأصابت أكثر من ستين من المُسعفين ورجال الدفاع المدني بالرصاص الحي والاختناق بالغاز، كما تم الاستهداف المباشر كذلك لتسعة عشر سيارة إسعاف ودفاع مدني أدى لإعاقة حركتها وتوقفها عن إسعاف وانتشال المصابين.
وإلى ميدان عملهم، توجه الصحفيون والإعلاميون، حرِصوا بدايةً على ارتداء وسائل الحماية والشارات المميزة لهم، والتي تكفل لهم الحقوق التي أقرتها البرتوكولات والقوانين الدولية، وأهمها المادة 79 من البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف 1949 لحماية المدنيين بالنزاعات العسكرية التي تنص على “أن الصحفيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في مناطق النزاعات المسلحة يجب احترامهم ومعاملتهم كمدنيين، وحمايتهم من كل شكل من أشكال الهجوم المتعمد، شريطة ألا يقوموا بأعمال تخالف وضعهم كمدنيين”.
غير أن هذه القوانين والمواثيق والشارات الصحفية ” Press” وغيرها لم تكن لتُشكل درعاً يقي الصحفيين والإعلاميين من رصاص جنود الاحتلال الصهيوني الذين يُكررون في كل مواجهة استهدافهم لهم، غير أن الاستهداف الواضح تعمده خلال تغطيتهم لفعاليات مسيرات العودة اختلف عما كان في جولات التغطية الماضية، وربما الرسالة التي أرادت ايصالها قوات الاحتلال من وراء جرائم استهداف الصحفيين المركبة كونها “استهداف للمدنيين، واستهداف للصحفيين كونهم صحفيين”، وتسعى لإبعاد الصحفيين عن التقاط صورة طفلٍ شهيد، أو امرأة تعرضت للإغماء بفعل الغاز، وربما لاعب كرة قدم بُترت أقدامه فضاعت أحلامه في حمل اسم فلسطين داخل ملاعب كرة القدم الدولية. وعلى هامش التغطية لمسيرات العودة، لاحظتُ رجلاً عجوزاً ابتعد عني حينما أدرك بأنني صحفي، وحينما سألته عن السبب،أجابني مازحاً: “في الماضي بينما كُنت خارج فلسطين كنا نحتمي بالصحفيين، لكن عندما عُدنا إلى غزة أصبحنا نهرب من الصحفيين، فهم أهداف باتت مشروعة للاحتلال الإسرائيلي”..
كانت نتيجة استهداف الاحتلال الصهيوني للصحفيين خلال تغطيتهم لمسيرات العودة- وحتى كتابة هذه الكلمات- ارتقاء الزميل الإنسان ياسر مرتجى الذي حلق في سماء غزة بينما أوقف الاحتلال الصهيوني حلمه بالتقاط صورة جوية لبلده. كما أصيب ثلاثة وسبعون زميلاً آخرين منهم 30 % بالرصاص الحي، واثنين منهم يصارعون للبقاء بينما تمزقت أعضائهم بفعل رصاص الاحتلال المتفجر، ومنهم المصور الصحفي/ أحمد أبو حسين الذي اخترقت رصاص القناص الصهيوني كلمة ” Press ” على السترة التي كانت يرتديها خلال تغطيته الإعلامية.
الواضح من الميدان والمشاهدة المستمرة لجرائم الاحتلال الصهيوني بحق المدنيين الفلسطينيين ومنهم الصحفيين والإعلاميين والأطباء والمسعفين، إنما هي نابعةٌ من شعور قادة الاحتلال بأنهم فوق القانون ولا يُمكن وقوعهم تحت طائلته، ويريدونها جرائم بلا صوت أو صورة، أو ضمادة للجريح والمُصاب، لكن على الجانب الآخر، ما لا يُدركه الاحتلال رغم كل جرائمه، فإن الطبيب والمسعف والصحفي الفلسطيني لا يُمكن أن يتراجع عن القيام بمهامه مهما كلفه ذلك من ثمن، وجرائم الاحتلال السابقة تدلل على ذلك.